عامر النجار

140

في تاريخ الطب في الدولة الإسلامية

أقرب إلى ما يعجب الفيلسوف منه إلى ما يعجب الطبيب فقد يحدث أن يذكر ابن سينا بابا أو فصلا لا لأهميته الطبية ولكن لحاجته إليه في التقسيم المنطقي الذي هو بصدده ، ولو أن المؤلف كان طبيبا غير فيلسوف لأهمل مثل هذا الفصل إهمالا تاما ، ولا نزاع أن الطب يفيد كثيرا من المرانة على التبويب والتقسيم فإنه لو ظل مجرد مشاهدات متناثرة لوقف عن الرقى . إلا أن الأقدمين أسرفوا فخرجوا بالطب عن غايته الأولى وهي التشخيص والعلاج خضوعا لآرائهم الفلسفية ، وكتب الطب القديم تعتمد على المنطق أكثر من اعتمادها على الخبرة والواقع . ومن بداية القانون يرسم ابن سينا منهجه العلمي في وضع الكتاب في أولى صفحاته « 1 » ورأيت أن أتكلم أولا في الأمور العامة الكلية في كلا قسمي الطب أعنى القسم النظري والقسم العملي ، ثم بعد ذلك أتكلم في كليات أحكام قوى الأدوية المفردة ثم في جزئياتها ثم بعد ذلك في الأمراض الواقعة بعضو عضو فابتدأ أولا بتشريح ذلك العضو ومنفعته . وأما تشريح الأعضاء المفردة البسيطة فيكون قد سبق منى ذكره في الكتاب الأول الكلى وكذلك منافعها ثم إذا فرغت من تشريح ذلك العضو ابتدأت في أكثر المواضع بالدلالة على كيفية حفظ صحته ثم دللت بالقول المطلق على كليات أمراضه وأسبابها وطرق الاستدلالات عليها وطرق معالجتها بالقول الكلى أيضا فإذا فرغت من هذه الأمور الكلية أقبلت على الأمراض الجزئية ودللت أولا في أكثرها أيضا على الحكم الكلى في حده وأسبابه ودلائله ثم تخلصت إلى الأحكام الجزئية ثم أعطيت القانون الكلى في المعالجة ثم زلت إلى المعالجات الجزئية بدواء بسيط أو مركب وما كان سلف ذكره من الأدوية المفردة ومنفعته في الأمراض في كتاب الأدوية المفردة في الجداول والأصباغ التي أرى استعمالها فيه كما تقف أيها المتعلم عليه إذا وصلت إليه لم أكرر إلا قليلا منه وما كان من الأدوية المركبة

--> ( 1 ) ص 2 مقدمة ابن سينا لكتاب القانون .